عبد الكريم الخطيب

988

التفسير القرآنى للقرآن

الإنسانية وأنفع لها ، فيما يدفع عن هذه « الحياة » ما يعانيه الناس من غوائل الأوبئة والأمراض . . أما الحقيقة التي أريد أن أصارح العلماء بها ، فهي ما صرّح به القرآن الكريم في الجزء الأخير من هذه السورة ، وهو قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ . . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ . . وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ . . ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ » . فهذه آية متحدّية ، للناس ، ولما يعبد الناس من مخلوقين يرونهم آلهة ، بما في أيديهم من سلطان مادي أو روحي . . فالناس ، فردا فردا ، وجماعة جماعة . . « لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً » . . وهو أضأل المخلوقات وأضعفها . . « وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ » . . واحتشدوا له من أقطار لأرض كلها ، وجاءوا بكل ما معهم من علم . . والذباب لا يعدو أن يكون دودة متخلّقة من مخلقات المواد القذرة والمتعفنة ، فهو - بهذه الصورة - أدنى مراتب الحياة ، وأنزل منازلها . . ومع هذا فإن الناس كلهم لن يخرج من أيديهم بكل ما معهم من علم ، أن يخلقوا ذبابة واحدة ! وأكثر من هذا ، فإن هذا الذباب الذي عجزوا عن خلقه ، هو - في حال من أحواله - أقوى منهم ، وأقدر على الكيد لهم . . وأنه إذا سلبهم سيئا لا يستنقذونه منه ، ولا يستطيعون له ردّا . . والذباب أنواع كثيرة . . منه الذباب المعروف ، ومنه ذباب الفاكهة ، ومنه الزنابير وغيرها . .